SHARE

تأثير اللغة العربية في لغة  » ولف  » السنغالية

بسم الله الرحمن الرحيم

        هذا الموضوع الذي أريد أن أتطرق إليه اليوم موضوع جديد ومهم للغاية بالنسبة للرسالة القيمة التي تبذل مجلة اللسان العربي كل الجهود لتحقيقها.

      ولم أر من تعرض له بالكتابة إلا ما كان من شذرات قليلة كان شيوخنا وأساتذتنا يزودننا بها أوقات التدريس والتعليم علي وجه الاستطراد ولفت الأنظار.

         وإنه لموضوع واسع لا أريد استقصاءه وإنما أقبح الباب علي مصراعيه فتحا يعرف به القارئ مدي انتشار لغة الضاد في القارة الإفريقية السوداء وكيف باضت فيها وأفرخت وكيف امتزجت مفرداتها بلغات الشعوب المسلمة في القارة امتزاجا وأثرت فيها تأثيرا ملموسا ، وأراني وأن ذكرت إفريقيا السوداء علي وجه التعميم فإني سأقتصر في بحثي هذا المتواضع علي بلدي الجمهورية السنغالية وعلي لغتي « ولوف » التي يعتبر اللغة الوطنية فيها والتي يتكلم بها عدد عديد في موريتانيا ومالي وغينيا وغامبيا وغينيا بساو ، تلك اللغة التي يدين جميع مرتضعي ثديها المبارك بالإسلام منذ قرونها الأولي.

        مع علمي الأكيد بأن التأثير اللغوي الذي تم بين لغة الضاد واللغة الولوفية في السنغال لم يتوقف علي الولوفية وكفي ولا علي السنغال فحسب ، وإنما اشتمل جميع اللغات في جميع الأقطار الإفريقية التي اعتنقت أهلها الإسلام ودانوا به .

لأنه وليد احتكاك الديني والثقافي في الطويل عبر القرون والأجيال فهم إذا مشتركون في العامل الأساسي.

          أما السنعال بالخصوص فقد دخله الإسلام منذ قرونه الأولي واعتنقوه عن طواعية ورغبة ومحبة فيه واقتناع بدون انذار أو تهديد مسبق وبدون معارك تذكر وإنما علي يد المصلحين الأبرار الذين كانوا يعتمدون علي سل الصوارم وأعمال السمهريات وعلي يد بعض الشيوخ الصوفية المحاجرين المخلصين والتجارة المغاربة الذين لا تلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وإقام الصلوة والذين كانوا يجتازون نهر السنغال في طريقهم إلي جنوب القارة علي يد هؤلاء وأولئك ـ لأسباب ومقدمات يضيق المقام عن ذكرها هنا ـ آمنوا وأسلموا راضين وانذابوا في بوتقة الدين الإسلامي طائعين وأخلصوا لعقيدة وتعاليمه واقبلوا علي تعلم كتابه العزيز ولغته الفصيحة ، وأقاموا كثرة كثيرة من المدارس القرآنية والفقهية والأدبية وعمت البلاد والمدن والقرى وطبقت الأرجاء إلي حد أصبح من شبه المحال العثور علي مسلم أمي لم يتزود بأقل شيء من القراءة والكتابة.

        وحين جاء الاستعمار الفرنسي إلي البلاد كانت اللغة العربية هي أداة التفاهم الوحيدة بين المستعمَرين بالفتح ، والمستعمِرين بالكسر وكان الرسائل المتبادلة بين أبطال الكفاح المرير ضد الاستعمار أمثال هلبر نجاي في « جلف » ومحمد به جغ وابنه سعيد مت ومريده بران سيس في « سالم » ولتجور في « كجور » وبين الاستعمار البغيض تكتب حتما باللغة العربية ولايزال كثير من هذه الرسائل موجودة في دار الآثار بدكار العاصمة.

         والقصائد العربية الرنانة التي صيفت في انتصارات هؤلاء الأبطال أهلها وتفوقهم الأدبي والرحلات العلمية الشاقة والطويلة التي قام بها الأجداد ومن بعدهم الأبناء والأحفاد إلي المغرب العربي وإلي موريتانيا وإلي الحرمين الشريفين عن طريق جمهورية السودان ومصر لأداء فريضة الحج وزيارة المدينة المنورة والاتصال بالعلماء والمحدثين والصوفيين والأخذ عنهم كل هذه كانت تفتح في العلامات الثقافية والأدبية أبوابا واسعة وتكون صدي لغويا عاليا بين أبناء الشعب المسلم.

       لهذه الأسباب ولأسباب أخري نتجت من الاحتكاك الطويل عبر التاريخ كان حتميا عليهم أن يدرجوا بعض مفردات عربية في مخاطباتهم الشعبية وفي آحاديثهم في النوادي بعد أن استعملوها في الأوساط العلمية والدينية والثقافية  فامتزجت كلمات عربية خالصة في لغتهم وتمكنت في ألسنتهم وأصبح من لا يعرف العربية منهم لا يجد بدا من أن يعتقد أصالتها.

        هذا وامتزاج لغة القرآن وتأثيرها في أي لغة من لغات الشعوب المسلمة في القارة عمل سهل وبسيط وعفوي فهم يكنون للإسلام ولنبي الإسلام سيدنا محمد حبا جما وشاملا يتناول جميع مقومات الإسلام وملابساته وشعائره وقيمه وتصوراته.

       وطبيعي لهذا الحب الشامل العريق أن يوجب علي الغالية العظمي منهم أن ينظروا إلي لغة الضاد بعين المحبة والرضي وأن يجدوا في استعمالها دواعي ايجابية ومتكررة لا مناص من تلبيتها.

      لهذه وذاك أثرت فيهم اللغة العربية واستعملوها عموما وإن كانوا علي اختلاف في التقليل والتكثير وفي الطرق التي يستعملونها بها اللفظ العربي.

     أما فيما يخص لعة « ولوف » التي يدور حولها البحث فإن استعمالها للفظ العربي يأتي علي قسمين.

       فتارة يستعملونه بدون تغيير يطرأ استعمالا عاما في الأوساط الثقافية والشعبية في حين أنهم لا يزالون يحتفظون بلفظهم المرادف له نحو ما فعلوا في الكلمات التي تعبر عن مصطلح علمي أو عن شيئ له صلة بالإلهيات، وهذا القسم ولا آتي منها إلا ماله تعلق بالقسم الثاني.

وآونة يعمدون إلي اللفظ العربي فيأخذونه ويصهرونه في قوالب لغتهم فيحذفون ويثبتون أويزيدون وينقصون ويبدلون ما رأوا إبداله حتي إذا طاوعهم اللفظ صاغوه بصيغتهم واقتصروا عليها وتناسوا كلمتهم المرادفة له وأخيرا يصير نسيا منسيا ومن هذا القسم غالبا ما سأذكره في القائمة التي أريد تقديمها .

شيخ أحمد علي سيس الجاملي

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here