SHARE

  سرنْج أحمد سيس « باي دام » رضي الله عنه

     هو ابن دنب قُجْ تيامْ بن مَدٌ فَامْتَ بن لايين حاط بن مكمب كو نجاي بن سعيد بن حال بن كاتم بن مد بكار سيس رحمهم الله.                                                    

     ازداد لوالديه في قرية « بنبل » حوالي عام 1868م وتقدم ترجمة والده دنب قُجْ تيامْ، أما والدته فهي سُخْنَ بَرِ بنت جُلْدِ تيامْ من أهل مدينة « سَكَبْ »، ولا يزال بعض قومها الأقربين يسكنون هناك إلى اليوم يلقبون بتيامْ                                                  

    قرأ القرآن كإخوته علي والده وحفظه عنده حفظا جبدا، وتعلم عليه الخط فأحسنه، واستقر بعد ذلك في حجره يرتل القرآن عنده آناء اليل وأطراف النهار نظرا وعلي ظهر القلب، ولم يزل متمتعا بهذه الموهبة الإلهية إلي أن لبي دعوة ربه.

   وأبقي قراءة القرآن وإقراءه تركة باقية في عقبه.                                         

    كان أول ارتحاله سفره إلي قرية « فَاس » بغامبيا ونزل علي الشيخ جِبِيلْ فَانَ برَامَ بن محمد الفاضل بن عبد القادر ياس ساله أخي الشيخ أحمد بنب ساله واصطاف عنده صيفا مباركا، كان يتحدث عنه ويقول: ما أبرك ذالك الصيف، لقد قرأت فيه رسالة بن أبي زيد القيرواني بكاملها والتزمت فيه قراءة كل ربع من القرآن مأئة مرة من (سورة الفاتحة) إلي آخر (سورة الناس)، ولم يمنعني ذالك من المشاركة في خدمات الدار وحوائج الشيخ .

   وعاد في ناحية الصيف إلي والده واستمر علي حاله معه من قراءة القرآن والعمل في البساتين ومساعدته في تعليم الصبيان وتصحيح الألواح.                                

   وبعد ذالك ارتحل لطلب العلم، واشتهرت عنه كلمته: أنا أول من حمل الدفتر واغترب لطلب العلم من الأسرة.

   وقصد قرية « بَيَمَ » مدرسة الشيخ مختار تور الذي اشتهر بعد ذالك بالحاج مختار نجاي نجاي ت 1918م واستقر عنده سنة أو أكثر وكان خير معين لشيخه في الشئون الاجتماعية والتربوية والشخصية وارتبطت بينهما علاقات تربوية وأسرية لا تزال جارية إلي اليوم.                                                                                          

   وسافر عنه مع أخيه علي فاطمة في رحلة أخرى قاصدين إلي مدينة « تِوَاوُونْ » في أواخر سنة 1897م أو أوائل 1898م، واستقر عند الشيخ الحاج مالك سنة أو سنتين وأخذ عنه  دروسا علمية وتربوية وارتضاه خير قدوة في العبادات والمعاملات.            

    ثم بدا له أن يواصل رحلته إلي « كَاكُنْ » مدرسة الشيخ الحاج عبد الله سيس ونزل عنده يتعلم عليه ويخدمه ويطلب مرضاته ويتقرب إليه حتي صار سلمان بيته.            

    ثم لما بدت لشيخه هذا ضرورة الرجوع إلي سالم بغتة اختاره دليلا وخفيرا لعائلته: أبناءه وأمهاتهم السيدات والأقارب والضعاف من التلاميذ فسار بهم من منطقة « كجور » ماشين إلي أن وصل بهم إلي قرية « دِمْبَرِ » في منطقة « سالم » مسكن الأهالي فأنزلهم عندهم سالمين معافين وعاد إلي « كجور ».

   واستعد فورا بعد عودة الشيخ الأكبر إلي « سالم » لمواصلة رحلته مع رفيقه وملازمه علي فاط إلي مدينة  « نْدر »، واستقر فيها ثلاثة أعوام أو أكثر لتوسيع نطاق معرفته يأخذ الدروس من العلماء ويتلقي الصالحين وجعل همته العليا التعلم والتعليم والمطالعة والتعبد والتنسك والتهجد بالقرآن وزيارة الرجال المعروفين بالصلاح للاحتكاك والتبرك بهم .    

   وكان في كل ذالك متصلا بشيخه الحاج مالك رضي الله عنه، وفي عام 1903م زاره وشاوره في سفر لزيادة معرفته لأنه اتفق مع أخ له علي خطة تربوية يتمكنان منه من تبادل معرفتهما فيُعَلِّم أخاه الذي وضع معه الخطة علوم البلاغة ويتعلم منه ما يريده من الدواوين العربية.

   وكان هذا النوع من تبادل المعرفة معروفا أيامذاك فقال له الحاج مالك: وجدتني أتفكر في خدمة علمية احتاج فيها إلي أنيس مثلك.

  فاستمع له وانتظره وبعد حين شرع الشيخ في تفسير القرآن فعرف أنه هي الخدمة العلمية التي أشار إليها، فانخرط في المستمعين إلي أن انتهي التفسير فوجد فيه من الفوائد والمعارف واللطائف ما أنساه خطته التي وضعها مع أخيه المذكور.                

   ثم شاوره بعد انتهاء التفسير في العودة إلي الأهل فاتفق معه علي ذلك فعاد إلي سالم مع رفيقه وملازمه شيخنا علي فاط رضي الله عنه.

   ونزلا علي الأهل في قرية « بنبل » ففرح بهما الوالدون والأهالي والأقارب.          

   وسرعان ما زوجه والده بالسيدة الكريمة عائشة بنت الشيخ مَامُ كَتَنْ كَتُ تُورِ، وكان هذا الأخير شريكا لوالده في أخذ تفسير القرآن عن الشيخ أحمد قُيْ صُوْ ساله في قرية « شَامْ » وتوفي والده بعد أيام معدودة من التزويج في أوائل الخريف 1904م.             

   واستقر في « بنبل » بعد وفاة والده أعواما ثم رأي أنه لا يتمكن من أداء رسالته الأدبية وأهدافه التربوية في هذه القرية ، فانتقل منها إلي قرية « غيْجِ » قرب مدينة « كَوُورْ » في جـ « غامبيا » فانتظمت له فيها مدرسة أتتها التلاميذ والمريدون من كل جانب فدأب علي التعليم وتربية المريدين، واتخاذ البساتين يعمل فيها مع القادرين علي العمل من الأصحاب والعيال فعاش مع أهله بمحصولات مزارعهم ونتائج مكاسبهم قانعين حامدين.            

   وكان كثيرا ما يسافر من قريته هذه لزيارة الشيخ الحاج عبد الله سيس في « جامل »، والشيخ مباكي بوصو في « كِدِ طُوبَي »، والشيخ الحاج مالك سى في « تواوون »  يجمع لهم هدايا جزيلة يحملها معه.                                                                    

   وفي أواخر 1924م أو أوائل 1925م جاء إلي جامل لزيارة الشيخ الأكبر ومكث عنده أياما تحدثا فيها بأمر انتقاله إلي جامل أو إلى إحدى القرى المجاورة لها واتفقا على ذالك فاستقر ينتظر الإذن أو تعيين المكان.

   ثم مرض الشيخ الأكبر مرضه الأخير فتولي أموره وتمريضه إلي أن أجاب دعوة ربه يوم السبت 15 فبراير 1925م بعد أن أوصاه بعياله ومواصلة جهوده فقام بعده بالوصاية خير قيام واحتضنهم إلي أن بلغوا. 

   وفور وصوله واستقراره في جامل عام 1925 أرسل تلاميذه الكبار الذين كانوا يتلقون منه الدروس العلمية إلي المدرسة الأم يتعلمون علي شيخها أخيه وتلميذه الحاج علي فاطمة واكتفي هو بتصحيح ألواح الذين يقرؤون القرآن عنده ، وكانوا كثيرين.           

   وحج سنة 1938م حجا مبرورا والتقي فيه مع جماعة من الصالحين واستعد للحج ثانيا كما كنا نسمع 1940م فاشتعلت الحرب العالمية الثانية فاشتد الخوف وتعذر السفر فاستقر محتسبا لله.                                                                               

   وكان من ابرك واشهر وانفع أعماله التربوية في جامل تفسيره القرآن الكريم سنة 1348هـ.

   لا فواج من الطلاب والشيوخ والمريدين من أهل المدرسة والجيران والضيوف الواردين و في طليعة المستمعين تلميذه، وأمينه شيخنا علي فاطمة وكان في نهاية كل جلسة يكرر لرفقائه الدروس.

   وتواقد الناس من الجهات والقرى والتواحي إلى مدينة « جَامَلْ » للاستماع حتى اغتصت بهم المدينة وامتلات منهم المدرسة.

   وتذكرنا ونحن صبيان في المدرسة ان الناس كانوا يؤرخون مصا لحهم بهذا التفسير القيم فيقولون فلان ولد أو مات أو سافر أو تزوج عام التفسير.

   واشهر رواة هذا التفسير القيم تلميذه، علي فاطمة الذي كان يقتفى أثره فيكرر للتلاميذ في المساء ما درسه الشيخ في الصباح إلى ءاخره.

   واشهر الرواة عنه الشيخ مالك بن سرنْج تمبد المتوفى بدار السلام « مليم هدار » سنة     لذالك طلب منه الحاج محمد مصطفى « الحاج مود جار » المتوفى سنة 1999م ان يفسر له ولإخوته ولجيرانه ولمن شاء الله في « جامل » سنة 1967م فلبى دعوته وفسر لهم. رحمه الله

   ومن المشتركين في هذا التفسير الشيخ محمد مختار بن الشيخ الحاج علي فاطمة وفسر هو القرآن في « جامل » لافواج من الطلبة سنة 1398ـ 1399هـ وسنة        وانتشرت على يديه هذه الرواية الذهبية وعنه انتشر التفسير في كثير من المدارس التابعة لمدرسة « جامل » بهذه الرواية.

   والأمر الشائع في المدارس الجاملية من قبل التحامى عن تفسير القرآن ويعود ذالك في نظرى إلى أمرين:

   الغول ان الشيخ الأكبر لم يكن يتساهل فيه لعدم توفر شروطه في كثير من متعاطيه وصح عنه قوله تفسير القرآن ممن لا يحسن علوم البلاغة لهو ولعب وهو قدوة القوم وواضع برامج تربيتهم.

   والثاني إن هذا التفسير الذي اشرنا إليه جلب إلى مدينة « جَامَلْ » جموعا غفيرهْ وأفواجا مختلفة اغتصت بهم المدينة وامتلات منهم المدرسة واشتدت بهم الكلفة إلى حدٍّ قد لا يشتاق إلى إعادته عاجلا على ما فيه من الغوائد الأدبية والتربوية.

   أما الان وقد انتشرت هذه الرواية الذهبية عند الطلبة وكثرت المرافق والمعونات فمن وجد فرصة مؤاتية وأُذُنًا صاغية ووقتا ملا ئما ومراجع كافية وفهما ثاقبا وإذنا صحيحا  فالأبواب مفتوحة فليد خلوها بسلام ءامين.

   ثم انتقل بعد ذلك عن منزل الشيخ وأسس لنفسه ولمدرسته دارا خارج القرية ومتصلة بها وانضم إليه جيران صالحون وذلك حوالي سنة 1946م وبنى هناك زاويته التي صارت مسجدا جامعا بعده سنة 1995م

   وكان الشيخ الحاج احمد سيس « بَيْ دَامْ » متقنا لجميع العلوم الشرعية والأدبية من توحيد وفقه ونحو وصرف وعروض وسيرة وتاريخ وتصوف وقراءات وميقات وانساب ومنطق وحساب وغير ذالك.

   واكبر مصادر معرفته عن والده دنت قُجْ تيم الذي علمه القرآن والخط وارتضاه أنيسا في جميع أحواله.

   والشيخ جِبِلْ فَانَ بُرَامَ سَالَهْ الذي سبق ان ذكرنا انه اصطاف عنده صيفا مباركا في أول رحلته.

   والحاج مختار نجاي نجاي شيخه الثاني في الدروس العلمية وارتبطت بينهما وشائج القرابة.

   والحاج عبد الله سيس الذي ارتضاه قدوة في وروده وصدوره وعباداته ومعاملاته. 

   والحاج مالك سى الذي تعلم عليه وتلقى منه تفسير القرآن وتلقن منه أوراد الطريقة التجانية وأذكارها وأجازه فيها أولا.

   وله إجازات من كبار علماء الطريقة لم يسع المجال لسردها.   

بعض معارفه المشهورين

   وكان الشيخ الحاج مباكى بوصو رحمه الله 1281هـ  1864م ــ 1354هـ  1946م من أشهر أصدقائه وأصفيائه يتزاوران ويتبادلان الرسل والرسائل والكتب والمعارف والهدايا وظلت هذه العلاقات بين أسرتيهما إلى حد الان توتى أكلها كل حين بإذن ربها.

   وكان الشيخ احمد بن دَاوُودَ كَنْ رحمه الله صاحب منظومة « منتهى البيان » المتداولة بين السالكين من معارفه وأصفيائه حتى ابدي له رغبته في الصحبة واتفقا عليها ولكن عاقه عن ذالك عدم استفرار هذا الشيخ فتوجه بعد ذالك إلى « تواوون ».

   واقتدى بالشيخ الحاج مالك في التنسك وأحياء الليالي المباركة. كليلة المولد الشريف وليلة السابع والعشرين من شهر رجب وليلة النصف من شعبان وليلة القدر في رمضان وليالي الاثنين والجمعة على العموم.

   واعتنى بكتاب أسماء أهل بدر رضي الله عنهم وقراءته ومصاحبته والتبرك بهم في المهمات والملمات واحتذى به في ذالك خلائق لا يحصون.

   وتأثر كثيرا بالإمامين أبي حامد محمد بن محمد الغزالي ت 505هـ / 1111م حامل لواء مدارس الفقهاء والصوفيين في زمنه.

   ويحيي بن شرف الدين النووي ت 676هـ / 1277م شيخ مشائخ الفقه والحديث في وقته واشتهر عنه قوله فيهما: أنهما لم يتركا في الدين مقالا لقائل.

   وكان من أحب العبادات إليه بعد الفرائض والسنن المؤكدات إعانة المحتاجين وتربية المريدين على السلوك الحسن في المعاملات والعبادات وإطعام الطعام للإفراد والجماعات وقراءة القرآن وإقرائه وتصحيح الألواح يلازم القراءة في النوافل وفي الأوقاف نظرا واستظهارا .

   وسمعت ابنه الحاج موسى رضي الله عنه المتوفى سنة 11 يناير 1981م يقول : سألته عن مقدار ما يقراه كل يوم من القرآن فسكت عني هنيئة ثم قال لي: تريد ان تعرف كم اقرأ من القرآن كل يوم؟ قلت ذالك ما كنا نبغي قال ما كنت لأبوح به لأحد ثم تلهّى عن ذالك وشرع معي في حديث آخر.

   قلت لعله إنما أجابه بذالك لان المواهب الاختصاصية والمنح الربانية والمزايا الصمدانية يجب سترها تأدبا مع الله اللطيف المنان.

   ولم يكن عباد الله الصالحون يتجاهرون بذالك خوفا منه سبحانه وتعالى .

   وتوفى في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة 1385هـ الموافق 7ابريل1966م في « جامل » وصلى عليه الشيخ الحاج عبد العزيز بن الشيخ الحاج مالك سه ورثاه الأدباء مراثي كثيرة، ومن ابلغها مرثية الشيخ محمد عال ولد فتى وسيأتي قريبا في ترجمته.        ودفن بين شيخه الحاج عبد الله وأخيه الحاج علي فاطمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم وعن والديهم وأشياخهم وأصحابهم وعنا وعن والدينا وأشياخنا وأصحابنا معهم آمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم تسليما. 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here