SHARE

 الشيخ الحاج عبد الله سيس مؤسس مدرسة جامل 

الميلاد والرحلة إلى ( بنبل ) لحفظ القرآن.                         

ولد الحاج عبد الله بن عثمان سيس رحمهما الله في قرية ( ونار ) من قرى سالوم القديمة في الجنوب من مدينة  ( كفرين ) وإليها تنسب قبيلة ( نجرميو ) في سالوم، ولد في أهل بيت معروف بالقرآن قراءة وإقراء، والشجاعة فنشأ في حجر والده وتربى هناك وابتدأ قراءة القرآن  عندهم، ثم لما بلغ الرشد ارتحل إلى قرية ( بنبل ) وكانت إذ ذاك محط الطلبة وحفاظ القرآن ، تتمتع بقدر لا بأس به من العلم لاتصالها نسبا ومعنى بقرية ( بمب ) مسكن ولي الله الشهير العالم الحافظ الشيخ محمد بمب بن سعيد بن بران سالّ المتوفى   ( 1835) ، الذي عمت بركات علمه ودروسه جميع الآفاق. فنزل على الحافظ الكبير حال كاتم سيس ولازمه حتى حفظ القرآن عنده حفظا جيدا، ثم عاد إلى أهله وزوجوه بكريمة من كرائم قومها.  ولكن السائق الإلهي لو يزل يستحثه لطلب العلم فجال في ( سالم ) كثيرا، ثم وجهه خاله الحافظ العالم السيد مالك درام ( سرنج بر) إلى صديقه العالم العلامة محمد أنت سَلِ امباكي والد الشيخ الخديم، وكان مجاورا له في ( برقان ) ومصافيا له، ومتعلما عليه. فلما عاد إلى وطنه وبعد استشهاد الإمام مبه في معركة ( صومبو ) بقيت الذكريات الطيبة بينهما.                                                          

الرحلة إلى كجور  والتعلم عند الشيخ محمد أنت سَلِ امباكي

ارتحل شيخنا إلى كجور بعد أن بلغ سنه الثلاثين وبعد أداء سنة الاستخارة، ولما وصل إلى الشيخ محمد أنت سَلِ رحب به كثيرا، فلازم مدرسته ولاحظ شيخه اجتهاده في دروسه وحفظه للقرآن، فضمه إلى نفسه ووكل إليه كتابة بعض ألواح أهله وصار كواحد من هذه الأسرة المباركة، وكان يكرر درسه إذا أشكل عليه عند الشيخ محمد جار امباكي كبير أولاد الشيخ وزبما غاب الشيخ فينوبه في التدريس ولده النجيب الشيخ الخديم فيقرأ الطلبة عنده، وقد قرأ عليه القصيدة الخزرجية في فن العروض في إحدى تلك النوبات، ومكث الشيخ هناك أربعة أعوام تعلم خلالها مقدمات في التوحيد والفقه والنحو والعروض وكتبا أخرى، وحاز مراضي شيخه وثقة أهله ومحبتهم وتوثقت بينهم وبينه عرى الصداقة والمحبة والأمانة ولا تزال جارية إلي اليوم.                        

   ثم عزم على الرجوع إلى وطنه ( سالوم ) مع رفقائه، وفي طريقه سمع بوصول العالم الكبير العارف السيد أحمد محمد سِلَّ- بكسر السين، وشج اللام – في ناحية قريبة من تلك النواحي، فأخبر رفقائه أنه يعوج لزيارته فوافقوا معه على ذلك ومكثوا معه النهار كله، ولما حان وقت الصلاة ـ وكان في رجل الشيخ جرح ـ فاتحه السيد أحمد سِلَّ في مسئلة المسح، وفي أثناء المناقشة ظهر للشيخ عبد الله سيس تفوق المزور في الفقه وأرجحية حججه، فقال في نفسه  » طالب يغادر أهله ووطنه للعلم يعود وهو يخطئ في مسألة من مسائل الوضوء لا يكون هذا أبدا  » هكذا عزم على الرجوع إلى المعاهد العلمية وشحذ غرار عزمه وورّى الأمر عن رفقائه فرجعوا هم إلى سالم وارتحل هو إلى        (سان لويس) وواصل هناك دروسه فتعلم هناك مقدمة ابن بون والبلاغة وكثيرا من كتب الفقه والأدب العربي وهناك التقى بالسيد العارف بالله الحاج مالك سه، واشتركا هناك في المدرسة وتعارفا وجرت بينهما صداقة ومحبة وتبادلا الأمانة، ولما أتقن شيخنا الفنون العلمية المشهورة في البلاد آنذاك أراد الرحلة إلى موريتانيا وكان معه عند رحلته من سالم غلامه المبارك السيد عبد الله أبو أسرة سيس في ( بر ) فعهد به إلى صديقه الحاج مالك شفقة عليه من الغربة في موريتانيا ثم غادر ( سان لويس ) .                     

الرحلة إلى موريتانيا 1878م

ارتحل إلى موريتانيا ليحقق هناك جميع معلوماته النقلية والعقلية، ونزل في قبيلة الديمانيين على عالم كبير واسع الاطلاع والمعرفة مشهورا بذاك يسمى أبوبكر الديماني من أصحاب الشيخ محنض باب فلازم مدرسته وراجع عليه جميع ما تعلمه في السنغال وحققه معه وأخذ عنه علوما أخرى كالأصول والقواعد والميقات والتصوف والتفسير وانتسخ كثيرا من الكتب العلمية وطالع ما ثقل عليه وخالط كثيرا من العلماء واحتك بهم وأجازه شيخه الديماني في جميع الفنون العقلية والنقلية، ودام هناك خمس سنين لم يخللها إلا قدمات قصيرة كان يقدم بها إلى كجور لارتياد نفقته الضرورية، وإذا جمع ما شاء الله عاد به إلى موريتانيا وأخرج منها هدية لشيخه، ثم أعد الباقي لضرورياته، فلما تضلع بالعلوم والفنون وأرضى ضميره رجع إلى السنغال قاصدا سالوم

الرجوع إلى السنغال والنزول في كجور 1883

لما وصل الشيخ إلى ( كجور ) ناويا وطنه الحبيب ( سالوم ) التقي بكبير العلماء والأدباء والفقهاء السيد القاضي (مجخت كل ) فأشار إليه – شفقة عليه وضنا بعلمه – بالاستقرار وعدم التجول في البلاد ريثما تسكن الفتن الأهلية التي اشتعلت في ( كجور ) من ناحية وفي ( سالم ) من ناحية أخرى، فاستمع نصيحته ونزل في ( كر شريف لوح ) قرية قريبة من تواون على الشيخ محمد أنت لو، وهناك ابتدأ التدريس فالتفت إليه الأنظار لحسن دروسه فوفد إليه الطلبة من تلك النواحي وفي ثاني العام تزوج بأخت العارف بالله الحاج درام أخيه في النسب والهدف، والتقى مع صديقه الحميم الحاج امباكي بوصو وكان كثيرا ما يأتي إلى    (كر شريف مولاى) يكتب هناك المصاحف كما عادت اللقاءات بينه وبين الحاج مالك سه، وكان هؤلاء الثلاثة كثيرا ما يعقدون الجلسات العلمية للتحقيق في المسائل المهمة ولدراسة كتاب ما، قال الشيخ : وصل إلينا كتاب تبصرة الأذهان لسعيد بن محمد الجكني في علم البلاغة فلما رأينا حسنه واختصاره عقدت أنا والسيد الحاج مالك سه والسيد الحاج امباكي بوصو جلسات دورية لدراسته وتحقيقه فلما انتهينا منه أبدلناه في دروسنا عن ألفية السيوطي لطولها.                                               

الرحلة إلى الحرمين للحج

ارتحل الشيخ من ( كر شريف لوح ) لأداء فريضة الحج وسنة العمرة وزيارة سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مع رفيقه ابن عمه الشيخ بران حَوَ حواند، وفي الطريق التقيا بالسيد الحاج عبد الله انياس فتعارفا في أول اللقاء وتصادقا في الله وتحاببا فيه وترافقا إلى الحرمين الشريفين وتبادلا الأمانة، وكان الشيخ عبد الله يهدف في حجه إلى ملاقات العلماء والاحتكاك بهم، يستفسر بعض الألفاظ العربية التي غمضت على الأجانب كأسماء الأدوات والأشجار والمواعين أو المواقع الجغرافية وما إلى ذلك، ولما قضى نحبه عاد إلى قرية ( كر شريف لوح ) وكان قد وكل المدرسة إلى السيد عبد الله كانج أحد تلاميذه فلم تنقطع الدروس من بعده ثم واصل التدريس هناك خمس سنين ثم انتقل منه إلى قرية ( نجر ).                                                          

الانتقال إلى قرية (نجر ) 1882م

انتقل شيخنا إلى قرية ( جر ) بأصحابه ومدرسته وواصل ما كان عليه من التدريس وإحياء الدين والسنة ونشر العلوم لطلابها ومكث هناك أربع سنين، ثم انتقل منه إلى قرية ( كاكن ) توفيرا لوسائل التدريس.                                                      

الانتقال إلى قرية ( كاكن ) 1886م

انتقل الشيخ إلى قرية ( كاكن ) بأهله ومدرسته بعد أن كثرت أصحابه وبلغ حسن دروسه جميع الأرجاء، فتوافد إليه الطلبة من ( كجور) (وبول) (وسالوم)، وكان في جميع تنقلاته متصلا بصديقه الحاج مالك بتواون ويتباحثان في المسائل المهمة، وكان الطلبة يختلفون بين مدرستيهما عن رضى منهما، ومكث هنا أربع سنين يواصل خدماته العلمية متصلا بزعماء  (كجور) ومحترما فيهم ومبجلا عندهم، وكان في الوقت نفسه مهتما بشئون أهله في( سالوم) يرسل إلى والدته في كل عام مئونتها وفي عام 1900م أرسل إلى والدته كالعادة فأرسله إليه تقول له  » إما أن ترجع إلى قومك فتعلمهم مما علمك الله أو لا تعد ترسل إلي شيئا » ، فلما وصلت الرسالة إليه تأثر بها شيخنا فجمع أهله وتلاميذه وأخبرهم بمضمون الرسالة وأنه راجع إلى (سالوم) لا محالة، فمن استطاع المرافقة فحبا وكرامة، ومن اعتذر فلا ملام عليه، فوافقه من استطاع وأحال المعتذرين إلى مدرسة السيد الحاج مالك سي ، ثم توادع مع صديقه الحاج مالك سه والحاج مباكي بوصو عن ذكريات حسنة ومواقف طيبة لا تزال حية إلى اليوم، وهكذا ودع الشيخ ( كجور ) بعد أن شارك مشاركة فعالة في بناء مدارسها، ونشر العلوم والمعارف فيها، وتربية أبنائها وتوثيق عرى الأمانة بينه وبين زعمائها، وبعد أن عاش فيها متعلما، تابعا ومتبعا، سائلا ومسئولا، خاملا ومشهورا.                    

العود إلى سالم 1900م

كانت أنظار ( سالم ) الخاصة والعامة تراقب أحوال الحاج عبد الله سيس أيام وجوده في ( كجور) نزوله في ( كر شريف ) ( نجر )  ( كاكن ) وحسن تدريسه وسعة علمه، يرغبون في رجوعه إلى بلاده لملأ الفراغ الواسع في المدارس العلمية وبعض الآباء كانوا يمنون أولادهم بعودة الشيخ وإرسالهم إلى مدرسته، أما الطلاب الخفاف فكانوا يستعجلون ذلك فيرتحلون إليه سيرا على الأقدام من (سالم) فارتحل إليه السيد عبد الله كانج، السيد الحاج محمد جم كه، السيد الحاج أحمد سيس مع أخيه الحاج علي فاطمة، السيد الحافظ علي حط درام ، السيد حلمان ساخ، السيد مساغ عنج، وآخرون، كان الشيخ بنفسه يعرف هذه التمنيات تصل إليه على السنة الزوار والطلبة ولكنه كان يعرف أنه حامل رسالة قيمة هي نشر التعاليم الإسلامية بين طلابها، و يعرف أن الأرض كلها وطن لعباد الله.                                                           

ومن منح الجهال علما أضاعه     ومن منح المستوجبين فقد ظلم 

بالإضافة إل النصيحة السابقة من القاضي مجخت كل له، وكان يحن في قراره إلى (سالوم) ويكل الأمر إلى حكمة الله وإرادته، لذلك لما وصلت إليه رسالة والدته استمع لها كهاتف رباني لا مناص من تلبيته.                                                     

النزول في ( اندمبري)

فعاد الشيخ إلى (سالم) فنزل في قرية ( دمبر) في طرف الجنوب الغربي من مقاطعة (كفرين) على أخويه كبيره الحاج مبند سيس وشقيقه الصغير تفسير حل سيس وأقاربهما، ورحبوا به ورحب به ( سالم)  ومنحوه من ثقتهم ومحبتهم ورضاهم وطاعتهم ما لم يمنحوه أحدا قبله، وكان جديرا بذلك، فتوافد إليه الخلائق من كل فج عميق، من طبقات مختلفة لأسباب متنوعة، من قارئ للقرآن ومتعلم للعلم ومريد لمرضاة الله وتائب من كفره  ومنقلع عن جرمه، وفقيه ليتصوف، ومتصوف ليتفقه، وضال للهداية، ومهتد للدراية، ومنيب يستدرك ما فاته يرتحلون إليه من كل جانب، من سالم مسقط رأسه، (وكجور) وطنه الثاني، والرأس الأخضر حيث يوجد معارفه العديدون و(غامبيا) المجاورة، فأفاد الجميع وعلمهم مما علمه الله، وقادهم إلى الصراط المستقيم وأوقفهم على حدود الله تعالى.                                                              

فكان كالليل البهيم حل في         أرجائه نور صباح فانجلى

ومكث الشيخ هناك عشر سنوات ثم انتقل إلى قرية (جامل).       

الانتقال إلى (جامل) 1911م

كانت للشيخ أمنية كبيرة سببت له تنقلاته الكثيرة، وهي التمكن من التطبيق العلمي للتربية الإسلامية المنبثقة من الكتاب والسنة كما يتمكن من تدريسه، وكانت الظروف التي يعيش فيها لا تسمح له بتحقيق هذه الأمنية الكبيرة كما يريد، فعزم على إنشاء مكان خاص يعمر فيه السنة مطهرا من البدعة، قريبا من المواصلات الحديثة ومنعزلا من ضوضاء المدينة سالما من السيطرة المباشرة من الغير، صالحا للزراعة والتعلم والتعليم، فإن من السنة أن تأكل من عمل يدك، وأن تتعلم قبل العمل، وأن تعلِّم مما علمك الله، فجال في تلك القرى والغابات يستخير الله تعالى، حتى وقع اختياره على موقع (جامل) قريبا من السكة الحديدية دكار- نجير التي كانت تخط آنذاك على بعد 44 كيلومتر من كولاك و 22 كيلومتر من كفرين فانتقل إليها مع أهله وتلاميذه وهم إذ ذاك كثيرون كما قدمنا، وغادر (اندمبري) صبيحة يوم الثلاثاء الثالث من شهر صفر فنزل في الغابات ضحوة قبل قطع أشجارها وبناء أي منزل فيها، فكان في سفره دروس هامة في إماتة البدعة ، فالناس يتشاءمون من الثلاثاء ومن الثالث من كل شهر ومن شهر صفر كله أيضا، ولا سيما قبيلة ( نجرميو) التي ينتسب إليها  ولكنه كان حامل رسالة مناقضة للتقاليد والعادات والخرافات ولطيرة المنجمين، وهكذا كان يقاوم البدعة في الأعياد والمواسم والاحتفالات الأهلية والحواجز القبلية واللونية والجنسية، بدروس تطبيقية يقَوِّيها بالأحاديث والآيات وسيرة السلف الصالح وكرس جهوده للتعليم والتربية على ضوء الكتاب والسنة لا يرى عنهما بدلا.                                                                     

انتقال تلميذه الحاج علي فاطمة إليه 1912 وإنابته في التدريس

في العام الثاني لإنشاء قرية (جامل) انتقل إلى الشيخ تلميذه ومريده الحاج علي فاطمة رحمه الله وكان قد أسن وتكاثر عليه الوفود والزوار، واتسعت دائرة خدماته الدينية وضعف جسمه فاستعان به في التدريس وكتابة الفتاوى والبحث عن المسائل الواردة يتناوب معه في التدريس ثم عينه مدرسا تدريجيا.                 

أخلاقه وتربيته

كان شيخنا متضلعا بعلوم الشريعة والخقيقة محاربا للبدع والتقاليد المجانبة للدين، غليظا على أهلها، مجتهدا في مصالح الناس، ساعيا في حوائجهم، جاعلا حركاته وسكناته وأحاديثه وأفعاله وأقواله وتصرفاته كلها دروسا وتربية، عاملا وآمرا بالكتاب والسنة، قويا في مرضاة الله ، لينا لأهله، لا يأخذه في الله لومة لائم، ناهيا عن تتبع الرخص في العمل والفتوى، زاجرا للمتقولين في الدين، وكان لكلامه سطوة في القلوب، وسريان في الأرواح، ونور في العيون، كما كان سريعا في إيقاظ النفوس محررا لها عن ربقة الهوى والتقاليد.                               

مؤلفاته

أمضى السيد الحاج عبد الله حياته في التدريس والتربية، ولم يترك بيتا يصح نسبته إليه، بل عباقرة من الفحول والعلماء والمصلحين في جميع نواحي البلاد والقرى وكانت الفتاوى ترد إليه فينقل لأصحابها نصوص العلماء من مواضعها ويرسلها إليهم دون أن يطهر فيها اسمه، كما كان يكتب تقريرات على بعض النصوص المقررة تدريسها، فيدمجها في مكتبته الضخمة كذلك إخلاصا لله وإيثارا للخمول وهكذا كانت عباداته ونفقاته لا تعرف يساره ما أنفقت يمينه، وقد سار سيره تلميذه علي فاط.           

وفاته

وتوفي في الحادي والعشرين من شهر رجب 1343هـ وخلف بعده ذكريات خالدة ومرائي حسنة نور الله ضريحه وجعل أعلى عليين مسكنه.                                                          

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here